نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ٢٤٤﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: من عطف القصة على القصة والقائل هو الله تعالى يبيّن هنا ألوانا من عصيانهم ومخالفتهم لأمر الله، بعد أن وصفهم بالظّلم وجحود النّعم حتى وهم في التّيه يتخبّطون. فأراد الله لهم السّكن والاستقرار في القرية، على أن يلتزموا بصيغة الدّعاء الذي يردّدونه عند الدّخول ويلتزموا بهيئة السّجود، وهم يدخلونها شكرا لله واعترافا بنعمته وفضله كما فعل رسول الله عند دخوله مكة عام الفتح. وفي مقابل ذلك الالتزام والطّاعة لأمر الله تجيء مغفرة الله لذنوبهم التي ارتكبوها خلال خروجهم من مصر وأثناء مسيرتهم في التّيه. ومع مغفرة الذّنوب زيادة الثّواب والأجر للذين أحسنوا تفضّلا من الله تعالى. ولكن أنّى للطبع المعوّج أن يستقيم، وأنّى للظلم أن يرتدع؟؟ ولا تتحقق الطّاعة إلا بالامتثال لأمر الله، لقد أراد الله لهم أن يستقرّوا في تلك القرية وأن ينعموا بخيراتها كيفما شاؤوا ليعودوا إلى الحياة الطّبيعة. ولم يحدّد القرءان قرية بعينها. ويذكر المفسرون أنها "أورشليم" بيت المقدس –وما أكثر خيراتها- ولا تزال. غير أن صفة الظّلم لم تبرح نفوس فريق منهم، فلم يردّدوا صيغة الدّعاء المطلوب منهم ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾: أي اللّهم خطّ عنا خطايانا. ولا هم دخلوا على الهيئة التي أمروا بها سجودا لله عند الدّخول. إذ بدّل أولئك الظّلمة كل ذلك ميلا إلى ما في طبعهم من الانحراف والتّمرّد فكان من نتيجة ذلك أن سخط الله عليهم بإنزال عذاب من السّماء بعد أن تنزل عليهم منها ما لذّ وطاب، وتلك هي عاقبة الظّلم يأخذ الله بها النّاس بما كسبوا.
وقد أطنب المفسّرون في بيان وجوه المخالفة في التّعبير على أحداث القصة ما بين سورتي البقرة والأعراف وليس بينهما تناقض، وإنما هو التّفنن في الأسلوب وكله فصيح وبليغ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:82).