نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ٢٦٠وللتناسب في أخذ الميثاقين جاء العطف بين السّياقين. مصدّرا يأمر الله لرسوله أن يذكر لجميع النّاس. كيف أخذ الله الميثاق عليهم بأنه ربهم -لا إلاه إلا هو- وهم ما يزالون ذرّا في أصلاب ءابائهم جيلا بعد جيل. فخلقهم على فطرة الإسلام، وأودع في نفوسهم غريزة الإيمان، بدءا من ءادم نفسه ثم من ذريته جيلا بعد جيل وبطنا بعد بطن.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ (: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟؟ … قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ﴾: أي هذا العهد المأخوذ حصل بالخطاب الإراديّ التّكوينيّ من الله تعالى. بأن جعل معنى التّوحيد والإقرار بالرّبوبية مستكنّا في أعماق النّفوس البشرية ممزوجا بفطرتها كما قال في سورة الرّوم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (30).
والإشهاد على النّفس من طرف ذرية ءادم هو لحملهم على الإقرار بتلك الحقيقة التّوحيدية، فكانت تلك الإجابة منهم: بلغة الاستعداد النّفسيّ والحالة الفطرية: ﴿قَالُواْ بَلَى﴾: إنه الاعتراف لله بالرّبوبية والإدانة له بالعبودية والإقرار له بالوحدانية.
هكذا يطرح القرءان الكريم هذه القضية الغيبية بأسلوبه المبسّط لندرك من خلال ذلك مشيئة الله وإرادة في تهيئة هذا الخلق المكرّم -وهو ما يزال مستكنّا في ضمير الوجود ذرّا مجموعا في قبضة الخالق. أما كيف تمّ ذلك أو كيف كان طرح السّؤال وكيف كانت الإجابة فتلك أمور غيبية نومن بها كما بسطها النّصّ القرءاني وبكل فيها الأمر إلى الله في جملة أفعاله وبديع صنعه في خلق السّماوات والأرض وما بثّ فيهما من دابّة، وبهذا التّناول للآيات المتشابهات تجتنب المزالق الكلامية والتّأويلات المفرطة.