نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٢٨

هذا بيان لأول استئذان معيّن وقع من أولئك المنافقين الذين قيل فيهم من قبل: (إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ)، فالضّمير في: "مِنْهُم" عائد إليهم. والقائل حسب الرّوايات هو "جدّ بن قيس" من شيوخ المنافقين، إذ سأله رسول الله: «ما تقول في مجاهدة بني الأصفر»؟ فقال: يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني". فأنزل الله: (وَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ ايذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي).(1)

وليس بغريب ما ورد من التّفسير لطلب الإذن، وهو خشية وقوعهم في الإثم والمعصية لقعودهم -وهم قاعدون لا محالة-، حتى لكأن المنافق له شيء من الحياء نحو الله ورسوله، فيتحرى الإثم والمعصية، أو يتهيّب مواطن الفاحشة؟، ولكنها الوقاحة والدّناءة في التّرييم على الحقائق. فجاء الرّدّ الإلهي كاشفا لحقيقتهم فاضحا لدسائسهم: (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) سقوط الفراش على النّار.

صدّرت الجملة بـ"أَلاَ" المفيدة للتنبيه حتى يتأمل السّامع المضمون الذي بعدها، وهو ردّ على القول السّابق، وأنّ الذي احترز من الوقوع في الفتنة هو واقع فيها بأشدّ مما توقّاه، وعبّر بالسّقوط عوضا عن الوقوع للمبالغة والتّضخيم، وجاءت كلمة "الْفِتْنَة" معرفة بـ"أل" الجنسية لتتناول كلّ أنواع الفتنة في أوسع معانيها. وهم بذلك متردّون في الكفر، تلفّهم جهنّم ولا يجدون عنها محيصا، تحيط بهم من كل جانب كما أحاطت بهم خطيئاتهم بتكذيبهم لرسول الله، وسوء نيتهم في معاملته بالكيد والمكر، إذ يتمنون له الشّرّ ويسرّون لذلك، والله الذي يعلم بواطنهم يخبر نبيئه بذلك فيقول: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدَ اَخَذْنآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ).

(1) 1 - رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عباس، رقم 12654.

٢٬٢٥٤ / ٦٬٢٠١