نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٣وأما الإنفاق على عمومه، أي في الجهاد وغيره من وجوه البرّ فهم لا يقومون به إلا وهم كارهون، لأنهم وإن بدا أنهم يبذلون بعض أموالهم طوعا فهم في الحقيقة لا تطيب أنفسهم لذلك أصلا، فكان مجموع هذه النّقائض الثّلاثة سببا مانعا لقبول أعمالهم عند الله، وهي كلها منافية للتّقوى -وهي مناط القبول عند الله- قال تعالى: (لَنْ يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) (الحج:37).
وإذ كان كثير من المنافقين من أولى الطّول والغنى، ومن ذوي الحظوة والجاه في أقوامهم، ولعلّ ذلك يكون محلّ إعجاب من بعض ضعاف الإيمان، جاء تحذير الله من ذلك مفرّعا عما تقدم يبيّن الله فيه سوء عاقبتهم في الأموال والأولاد فقال: … (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلآَ أَوْلادُهُمُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ).
ولاشك أن أكثر متاع الدّنيا وزينتها هو المال والبنون: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيَا) (الكهف:46). والمفتون بهما ينشغل عن ذكر الله ويقصّر في جنب الله، وقلما يجمع الإنسان بين متع الدّنيا وتكاليف الدّين التي هي ضوابط للبغي والطّغيان، وقد قال الله في طبيعة الإنسان: (كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6 - 7). ولذلك تكررت الإرشادات الإلهية لرسوله ومن خلاله لأمته أن لا يفتتنوا بأموالهم وأولادهم كما في هذه الآية. فإذا كان حرمانهم من قبول الله لم تشفع لهم فيه كثرة أموالهم وأولادهم.