نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٥٠

ويتجلّى أسلوب الحكيم في مثل هذا الرّدّ في ما يبدو أنه يوافقهم على وصفهم بأن الرّسول أذن، ثم يتبعه بما ينقض ذلك ويلغيه ويقلب عليهم مرادهم. فالرّسول وإن كان أذنا كما يزعمون، فهو نعم الأذن في الخير وسماع الحق، لا يسمع الباطل، ولا يروّج عليه أصحاب الأهواء، ولا يخدعه المتملقون بالوشاية والسّعاية لأنه أمين على وحي الله، إيمانا به وإخلاصا إليه، مما يقتضي منه أن يصدّق المؤمنين الأوفياء، إذ يتعامل معهم بالثّقة والأمانة، لما يعلمه من صدق إيمانهم وشدّة حبّهم لله ورسوله. وبالتّالي فإن سماعه لما يقوله المنافقون، وغضّه الطّرف عن بواطنهم الخبيثة، إنما هو بدافع الرّحمة والسّماحة لكم مراعاة للمصلحة العامّة، فهو وإن أنبأه الله من أخباركم لا يريد أن يفضحكم ولا أن يكشف أسراركم محافظة على وحدة المجتمع، فما أبلغ وصف الرّحمة بالنّسبة لهذا الصّنف من المنافقين. وهم المعنيون بقوله: (مِنكُمْ) لما فيه من التّعريض بغير الصّادقين، ومثل هذا الموقف لا يترتب عليه رحمة الله عنه الحساب والجزاء، لأن الله لا ينظر إلى الصّور والأعمال، ولكن ينظر إلى ما في القلوب، فناسب أن يعقّب رحمة الرّسول إياهم في المعاملة على ظواهرهم بهذا التّهديد.

(وَالذِينَ يُوذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ): والآية ترتب العذاب الأليم على مطلق الإيذاء لرسول الله، وتنويع الوصف بين النّبوءة في أول الآية: (وَمِنْهُمُ الذِينَ يُوذُونَ النَّبِيءَ)، وبين الرّسالة مضافة إلى لفظ الجلالة في آخرها إشادة بفضل الرّسول وأن إذايته من إذاية مرسله، كما أن طاعته من طاعته، قال تعالى:

أ) - (اِنَّ الذِينَ يُوذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ’ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) (الأحزاب:57).

ب) - (مَّنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ) (النّساء:80).

٢٬٢٧٦ / ٦٬٢٠١