نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٧٢وأيّا كانت قصة ثعلبة بن حاطب في أحداثها التي بدأت في عهد الرّسول وانتهت بموته في زمن الخليفة عثمان، وسواء نزلت في شأنه أو في غيره من المنافقين كما ذكرته بعض الرّوايات الأخرى، فإن العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، فإن خلف الوعد ليس من سمات المسلم الوفي، وكم في القرآن من وصايا الله على الوفاء بالوعد لما في ذلك من ضمان للثقة المتبادلة بين الناس ومن مقتضيات الإيمان الصّادق أن يعظم المؤمن ربه في الوفاء بعهوده، لأن الوازع الإيماني لدى المسلم الوفي هو أعظم توثيق لتلك العهود والمواثيق. وكلما ضعف ذلك الوازع أو غاب تماما -كشأن المنافقين-استساغ صاحبه كل رديئة وأصاب كل شرّ. وترى أمثال هؤلاء يتستّرون ويريّمون على النّاس في تصرفاتهم بالأيمان والقسم بالله، سيما في وقت الشّدة والضّيق، إذ يدعون الله ويعاهدونه ليشكرن نعمته، وليذكرن فضله إذا أنعم عليهم.
(فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ’ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكَذِبُونَ):
وهم حين يدركون ما يتمنّون، ينكصون على أعقابهم مدبرين جحودا وتنكرا لنعمة الله، ومن نتيجة ذلك أن يزدادوا نفاقا على نفاق يترسّخ في قلوبهم ويلازمهم حتى الموت، ولهم سوء العقبى في ذلك، لأن الله تعالى يترك المنافق لنفسه يدسّيها بسوء فعاله، وذلك بناء على أن الضّمير في قوله تعالى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمُ) راجع إلى الله في أرجح الأقوال، كما يدلّ عليه قوله تعالى في سورة اللّيل: (وَأَمَّا مَنم بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ’ لِلْعُسْرَى) (الليل:8 - 10).