نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٨١بعد بيان فرح المنافقين بالتّخلّف عن الجهاد وكراهيتهم له، ثم تنغيص ذلك الفرح بالوعيد والتّهديد فرّع الله على ذلك الحديث ذكر بعض أوجه معاملتهم التي يجب على الرّسول اتخاذها بعد عودته من غزوة "تبوك" تجاههم فقال عزّ من قائل: (فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً اِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ).
الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يرشده الله فيه بما يجب أن يعامل به المتخلفين عن "تبوك" بعد عودته منها، لأنهم سوف يتطلعون إلى غزوة أخرى قريبة الشّقة ليحضروها نفاقا وتلبيسا على المؤمنين. وقد نبّأ الله رسوله بما سيكون منهم فأمره أن لا يأذن لهم بالخروج معه، ولا بالقتال إلى جانبه لأيّ عدوّ كان، وأكد النّهي بعد "لَن" التّأبيدية بكلمة: (أَبَداً)، وهذه العقوبة إما منعا لخبالهم إذا خرجوا مع المسلمين كما قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً) (التوبة: 47). أو للزجر والتّأديب عساهم يتوبون. ثم بيّن الله سبب المنع بقوله: (اِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ): والرضى بالشّيء دليل على استحسانه والتّمسّك به حتى يصبح رغبة ملّحة. وهذا التّذكير بموقفهم السّابق فيه تعيير وتوبيخ لهم.
وقوله تعالى: (أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي عند الخروج والتّعبئة إلى غزوة "تبوك" ولذمّهم وتحقيرهم أكثر فرّع الله عن الجملة السّابقة قوله تعالى: (فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ). وفي هذا التّعبير التّهكّمي إيلام لهم لأن الطّيور على أمثالها تقع. والقعود في أمثال هذه المواقف الرّجولية لا يكون إلا للخالفين مع النّساء والذّراري، كما عبّر الحطيئة الزّبرقان بقوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطّاعم الكاسي