نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٣١لا يألوا أهل الكتاب والمشركون جهداً في التّشكيك بما جاء به محمد، وفي إثارة الشّبهات بأنّ الرّسول يقول أمرا ثمّ يعود عنه، ويأمر بأمر ثمّ ينهى عنه، كما يموّه اليهود على النّاس، بأنّ محمّداً يصف التّوراة بأنّها حقٌّ، وأنّه جاء مصدّقاً لها، فكيف يكون شرعه مبطلاً للتّوراة؟، وذلك يستلزم في دعواهم أن يتّصف الله بالبداء -وحاشاه ذلك-، ومعنى ذلك أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه، وأن يبدو له الأمر، ثمّ يُعرض عنه ويبدّل شريعة بشريعة، إلى غير ذلك من الشّبهات التي يموّه بها اليهود والمشركون على ذلك، ممّا أثبتته الرّوايات المختلفة في بيان أسباب النّزول، وأيّاً كانت تلك الأسباب، فإنّ الله تعالى أراد أن يُعلّم المسلمين أصلاً من أصول الشّريعة، وهو أصل النّسخ، ويكون:
أ على شريعة بشريعة بعدها، وفق ما تقتضيه الظّروف والأحوال، وذلك في ما هو من المتغيّرات، من الأحكام، لا في الثّوابت من أصول الدّين، كما قال الله تعالى في سورة المائدة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة:48).
ب ويكون النّسخ في ما يطرأ على بعض الأحكام بأخرى تُبطلها من تلك الشّريعة نفسها، وفق ما يقتضيه التّدرّج في التّشريع.
وجّه الله الخطاب للمسلمين مع معرض الرّدّ على تلك الشّبهات فقال جلّ من قائل: (مَا نَنسَخْ مِنَ -ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
وفي اختيار توجيه الخطاب للمؤمنين في معرض الرّدّ على اليهود والمشركين تحذير وتنبيه لهم من أن ينساقوا وراء تلك الشّبهات، وأن لا تثبّط عزائمهم تلك الدّعايات لأنّ الله تعالى وليّهم وناصرهم.