نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٠٤إذا كان الجهاد في سبيل الله يتطلب التّضحية بالمال والنّفس، فإن غزوة "تبوك" قد محّصت الجماعة الإسلامية فكان فيها الأوفياء والمخلصون، وكان المنافقون والمخادعون من حضر وبدو. فكما قصّر هؤلاء في الخروج مع الرّسول والتمسوا الأعذار الكاذبة لأنفسهم فقد قصّروا -أيضا- في تقديم الأموال للإنفاق في سبيل الله، إذ اعتبروها مغرما وخسارة فهم لا يدفعونها إلا خوفا وتقية يخادعون بها المسلمين حتى لا يتعرضوا لمؤاخذتهم، وذلك لضعف إيمانهم أو لعدمه باطنيا. فهم لا يطلبون بها من الله أجرا ولا ثوابا، بل منهم من امتنع عن دفعها تماما بعد وفاة رسول الله مما تسبّب في حروب الرّدة على عهد خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
ولسوء تقديرهم وفساد طواياهم كانوا ينتظرون ضعف المسلمين وهزيمتهم، بل يتربّصون موت الرّسول فتنتهي دولة الإسلام ليكونوا في حلّ من أمرهم تمرّدا وخروجا عن الطّاعة والتزام الجماعة، فجاء الرّدّ الإلهي بما ينعكس عليهم شرّا وسوء.
(عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ): والجملة دعاء عليهم أو خبر بحقيقة حالهم، وكلاهما من الله حقّ، إذ يراد من الدّعاء مآله مما هو مقدّر في علم الله، وفيه إهانة وتحقير لهم، وقد تحقّق ذلك بعون الله إذ دارت الدّائرة عليهم في حروب الرّدة فرجعوا خائبين. والله سميع عليم لا تخفى عنه خافية مما يدبّرونه من مكايد، وما يتناجون به من الدّسائس، فيجازيهم بما يستحقون وقد علم الله أن في أولئك الأعراب مؤمنين يستحقون الثّناء فعطف ذكر أحوالهم على الصّنف السّابق فقال:
(وَمِنَ الاَعْرَابِ مَنْ يُّومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلآَ إِنَّهَا قُرُبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).