نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١١٤ب) - أن الصّدقة تزكّي النّفوس، أي تحلّيها بأنواع الفضائل والبركات فالصّدقة -إذن- تجمع بين التّخلية والتّحلية، وذلك على اعتبار أن "التّاء" تعود للصدقة على الأرجح. وعلى احتمال أن تكون "تاء الخطاب" فالمعنى واحد لأن أخذ الرّسول لتلك الأموال وقبولها هو أخذ من الله وقبول منه تعالى تعظيما لرسول الله لقوله تعالى: (مَّنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ) (النساء:80). (اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) (الفتح:10).
ثم أمر الله رسوله أن يصلّي على أولئك المتصدّقين، أي يدعو لهم بالخير ويستغفر لهم الله، ثم علّل ذلك بأن في دعائه لهم سكنا وطمأنينة لنفوسهم، وبذلك يسنّ للإمام أو عامله أن يدعو للمتصدق بمثل قول الرّسول: «اللّهمّ صلّ على آل فلان». فما أجدر النّفوس المضطربة بالذّنوب والمعاصي إلى ما يسكّن روعها ويزيل توحّشها.
وإيماء إلى قبول صلوات الرّسول جاء التّذييل بما يناسب ذلك بوصفه تعالى بأنه: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، يعلم ما في قلوب عباده من خواطر وأحاسيس ويقضي بما يستحقونه من الاستجابة والإثابة.
وحتى يطمئن التّائبون إلى المغفرة والقبول جاء الاستفهام التّقريريّ بأن الله يقبل التّوبة فيعفو ويقبل الصّدقات فيثيب عليها فقال عزّ من قائل: (اَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
الضّمير يعود إلى التّائبين المعترفين بذنوبهم، ومن خلالهم هو تقرير لكلّ عباد الله المؤمنين. والتّذكير بمقام العبودية مناسب لفيوض رحمة الله على عباده، لأن الحالة النّفسية للتائبين تقتضي مثل ذلك التّأكيد باختيار: (يَعْلَمُواْ) الدّالة على اليقين مقرونا بالاستفهام التّقريريّ حتى تنمحي الشّكوك من نفوس هؤلاء؟، فيتيّقنوا بأن الله تعالى قد قبل توبتهم وصدقتهم.