نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٢٣ب) - (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُواْ): وقد شهد الله بمحبته إياهم، وقد اختلف المفسّرون في معنى التّطهّر، أهو الطّهارة المعنوية من الذّنوب والآثام ومن الرّياء والنّفاق حتى يكون ذلك مقابل خبث أصحاب مسجد الضّرار؟، أم هي الطّهارة المادية من النّجاسات كما تشبثه بعض الرّوايات؟، أم هو محمول على كلا الأمرين؟.
وأغلب المفسّرين على ترجيح الأمر الثّاني من طهارة الأنجاس لما ثبت في الأخبار أنّ الرّسول مشى إلى أهل "قباء" في جماعة من أصحابه حتى وقف على باب المسجد فقال: «يا معشر الأنصار، إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء؟» قالوا: نتبع الماء الحجر. فقرأ النبي الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُواْ).(1)
ولا يمنع الجمع بين الاحتمالين لأن النّجس يطلق على كلّ مستقذر ماديا كان أو معنويا لقوله تعالى في هذه السّورة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (28).
ولتركيز التّأسيس لبيوت الله على التّقوى وأحقية الصّلاة فيها، جاء التّفريع بقوله تعالى: (أَفَمَنُ اَسِّسَ بُنْيَانُهُ’ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ اَم مَّنُ اَسِّسَ بُنْيَانُهُ’ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
صدّرت هذه المقارنة بين المسجدين بالاستفهام التّقرّيري: (أَفَمَنُ اَسِّسَ بُنْيَانُه)، والمقارنة لبيان الفرق بين المسجدين في قيمتهما عند الله، والتي تنبني على المقاصد والنّوايا، فأساس الخيرية في المفاضلة هي تقوى الله ورضوانه، والمتمثلة في رسول الله وجماعته، إن في مسجد "قباء" أو في المسجد النّبويّ على الاحتمالين السّابقين، أمّا مسجد الضّرار فأساسه واه يتعرّض للسقوط والانهيار.
(1) 1 - روى الحاكم نحوه في المستدرك من حديث أنس وغيره، رقم 3287، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.