نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٢٨إنها صورة بديعة رسمها الله تعالى للمؤمنين الصّادقين ورصّعها بتلك الأوصاف الممّيزة لهذه الطّائفة بعد تلك الجولة الطّويلة في ذكر أوصاف المنافقين المخّلفين عن الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. والجملة: (اِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) مستأنفة استئنافا ابتدائيا ومؤكدة بـ"إن" للاهتمام بمضمونها. واختيرت عملية البيع والشّراء وما تقتضيها من وجود الثّمن والمثمن في هذه الصّورة التّمثيلية على صيغة الفعل الماضي "اشْتَرَى" لإفادة على أن ذلك قد استقرّ وتمّ في المجتمع المسلم الصّادق، وأن ذلك قدر مشترك بين الدّيانات السّماوية كلها. وتتمّ هذه الصّفقة المربحة بين الله والمؤمنين. إنها علاقة الرّضى والثّقة يكون فيها الله هو الشّاري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، حتى لكأن هؤلاء هم المالكون لما باعوه، بينما الحقيقة هي أن المالك الحقيقي هو الله تعالى: (أَلآَ إِنَّ للهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ) (يونس:66). ولكن فضل الله تعالى وتكريمه لهذا الإنسان جعل المؤمنين كالمتعاقدين معه بيعا وشراء ملطّفا وكرما، وهو المالك للثمن والمثمن، ولا يمكن للؤمن الصّادق إلا أن يكون كذلك، واهبا نفسه وماله لله لا يستبقي منهما شيئا في هذه الصّفقة الرّابحة، وهو بذلك يشتري الجنة حيث النّعيم الأبديّ بما هو فانٍ من متاع الدّنيا امتثالا لقوله تعالى: (قُلِ اِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162).