نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٧٥(هُوَ الذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ’ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَالِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ):
الضّمير: "هُوَ" عائد إليه تعالى الموصف بالرّبوبية. (): في ما سبق. وهو هنا يمتنّ على الخلق بما أودع في الشّمس والقمر من ضياء ونور. وهما آيتان من آيات الله العجيبة التي لها تأثير مباشر في دورة حياتنا بما ينبعث من الشّمس من ضياء وحرارة على مقادير معّينة، وبما يرسله القمر من نور هادئ يهتدي به السّارون ولا يقلق راحة الهاجعين، وبدورانها حول بعضها البعض الأرض يختلف اللّيل والنّهار وتختلف الفصول الأربعة، وتنضبط المواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم لمعرفة عدد السّنين في الحجم الزّمني الكبير، ولمعرفة الحساب الأدق بضبط الشّهور والأيام والسّاعات.
ومن يسر الإسلام، ومواكبة لكلّ المستويات المعرفية عند البشر أن جعل ضبط المواقيت لأنواع العبادات بالشّهر القمري لسهولة معرفة منازله التي كان العرب يضبطونها بأسماء أبراجها الثّمانية والعشرين، وأمّا الحساب الشّمسي فيحتاج إلى معرفة علوم الهيئة. وكلّ من الشّمس والقمر مسخّر لتنظيم شؤون حياتنا مما يدلّ على أنّ اعتماد الحسابات الفلكية لسير هذين الجرمين العظيمين هو أمر مشروع لمزيد من ضبط المواقيت الشّرعية. ويسند ذلك التّنبيه إلى حكمة ذلك الخلق بقوله تعالى: (مَا خَلَقَ اللهُ ذَالِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ) ليعلم النّاس من خلال تدبّر ذلك حكمة الخالق وفضله على خلقه، وأنّه لم يخلق ذلك عبثا، وليس في الأمر صدقة كما يعتقده الماديّون الملحدون.
وقوله عقب ذلك: (نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) تحريض على التّأمّل والنّظر، وأن الوسيلة لذلك هي المعرفة والعلم، واختيرت صيغة المضارع لإفادة التّجدّد والاستمرار.