نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٩٠أ) - نفي قاطع لصريح اقتراحهم بقوله: (مَا يَكُونُ لِيَ أَنُ اُبَدِّلَهُ’ مِن تِلْقَآءِىْ نَفْسِيَ)، أي ذلك التّبديل في بعض آياته أو الإتيان بغيره ليس من شأني، لأنني لا أملك لا أملك التّصرّف فيه بمحض إرادتي.
ولما كان الكفار لا يصدقون بأن القرآن وحي من عند الله، وأن الرّسول هو بشر عاديّ يمتاز عنهم بقوة الفصاحة والبيان، أتبع الله ذلك النّفي القاطع، فلقّن للرسول أن يقول لهم: (إِنَ اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)، أي إن مطلوبكم لا يملكه إلا الله، وما أنا إلا مبلّغ عنه بكل أمانة وإخلاص. ثم علّل مضمون ما سبق بقوله: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، أي إن الرّسول كغيره من البشر، هو متوعّد بالعذاب العظيم إن صدرت منه أية معصية، فكيف بتبديل كلام الله؟.
ب) - ثم جاء الجواب الثّاني مفصولا عن الأول وبأسلوب التّلقين قال تعالى:
(قُل لَّوْ شَآءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ’ عَلَيْكُمْ وَلآَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).
وفي هذه الإجابة ردّ لما يفهم من التماسهم، أي الاتهام لرسول الله بالكذب والافتراء على الله، وذلك ببيان مشيئة الله في إنزال هذا الكتاب، إذ لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولو شاء لما أعلمكم به بواسطتي ولكنه شاء -وما شاء الله فعل-. وها هو ذا أتلوه عليكم معجزا بليغا لا يمكن أن يرقى إلى فصاحته وبلاغته وما تضمّنه من الأحكام والعلوم أي إنسان عادي مهما تفوّق على أقرانه ذكاء وفطنة. والدّليل على أنه من عند الله أنّني عشت بين ظهرانيكم عمرا طويلا، وعرفتم من أحوالي ما يؤكد لكم صدقي وأمانتي، إذ ما قرأت كتابا من قبل، ولا جلست أمام معلّم قطّ، فكيف يتسنّى لي أن آتيكم بكتاب أخرس البلغاء وأعجز العلماء.