نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٠١وتسخير الكتبة لإحصاء أعمال النّاس وبالكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى هو من مظاهر القوة والقهر في وصف عظمة الله وقدرته كما فصّل الله ذلك في سورة الأنعام فقال بعد بيان ما عنده من مفاتح الغيب فقال: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) (61).
فعلى ذكر شدّة مكره وسرعته بأسلوب المشاكلة ضرب الله مثلا لضعف وسائل المشركين المعاندين أمام قدرته وقهره فقال تعالى: (هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الارْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
الخطاب لجميع النّاس، ويدلّ عليه تصدير الآية اللاحقة بندائهم: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ)، والمثل المضروب هنا هو تشخيص للمكر في آيات الله المتقدم ذكره، وهو تشخيص حيّ يتكّرر وقوعه في حياة النّاس وهم يضربون في أرض الله برّها وبحرها للارتزاق وغيره من مختلف شؤونهم. وهو امتنان منه تعالى للتذكير بمختلف نعمه وموقف النّاس منها بالجحود والكفران، اغترارا بالاستدراج والإمهال، وأنه تعالى غير عاجز عن أخذهم، فيذكر المثل حالتي السّراء والضّراء التي تعتور الخلائق وفق تدبيره تعالى لشؤون خلقه، فيتوزّع الأسلوب بين ضمير الخطاب وضمير الغيبة. وذلك للتفريق بين شأن المؤمنين الشّاكرين لنعمة الله، إذ جاء ذكر النّعمة بضمير الخطاب إكراما وتشريفا، بينما جاء ذكر النّقمة بضمائر الغيبة تنديدا وتهديدا للكافرين الجاحدين، وذلك من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.