نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٤١خاطب الله رسوله تثبيتا له وتأكيدا لوقوع ما توعّد الله به أولئك المشركين من العقاب في الدّنيا والآخرة وفق مشيئته تعالى وحكمته في ما يناسب طبيعة هذه الأمّة التي أرادها حاضنة لدينه فصاغها وأخرجها للناس على غير المعهود من الأمم السّابقة في المحق والاستئصال، بعد إقامة الحجة عليها بإرسال رسول إليها. فإحدى الحالين من عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة حاصل لهم -لا محالة- ولكن علم ذلك عند الله، وقد يشاهده الرّسول في حياته، وقد يتوفّاه الله قبل ذلك فلا يدركه. وفي كل حالة، فإن الأمر في ذلك يرجع إلى الله وحده، فيجزيهم على علم وشهادة حق، لأنه مطّلع على ما يخفون وما يعلنون، والعطف بـ"ثم" بين الإخبار بالإرجاع والإخبار بالمجازاة هو للتراخي الرّتبي يقتضيه التّفصيل للوعيد المذكور.
وإذ لا يقتصر ذلك الموقف المعادي للدّعوات السّماوية على أمّة محمد عليه السلام عطف الله على الآية السّابقة قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ)، وفرّع عليه قوله: (فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) ليبيّن أن منتهى الإمهال لأمّة من الأمم هو مجيء الرّسول إليها ليهديهم إلى مناط النّجاة من العذاب في الدّنيا والآخرة، فإذا قامت الحجّة بذلك وتمادوا في التّكذيب والإعراض قضى الله بينهم وبين رسولها بالعدل وفق ما يناسب عملهم. ولتأكيد العدل الإلهي في ذلك القضاء جيء بالجملة الحالية: (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) لنفي كلّ ظلم قد يصحب تلك العقوبة كما يفعله الطّغاة من البشر. ونظير هذه الآية قوله تعالى:
أ) - (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ ءَايَاتِنَا) (القصص: 59).
ب) - (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15).
ج) - (وَإِن مِّنُ اُمَّةٍ اِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: 24).