نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٤وبعد إبطال تهكمّهم في استعجال العذاب أمر الله رسوله بأن يجيبهم بجواب آخر لا يملكون إزاءه إلا التّسليم به جدلا فقال تعالى: (قُلَ اَرَآيْتُمُ إِنَ اَتَاكُمْ عَذَابُهُ’ بَيَاتاً اَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ ءَالآَنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ثُمَّ قِيلَ لِلذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ).
فسؤال: (اَرَآيْتُم) بمعنى: أخبروني، والرّسول في ذلك ينقلهم من جوّ التّهكّم والاستهزاء إلى تصوّر الخطر التي يتهدّدهم إن نزل بهم العذاب في ليل أو نهار، كيف يكون حالهم عندها وماذا يمكنهم أن يفعلوه؟، وأي نوع من العذاب يستعجلون؟، أهو عذاب الدّنيا أم عذاب الآخرة؟، وأيّ النّوعين يحصل فلا خير لهم فيه، وإنما هي الحماقة والجهالة، لا يجنون من ورائها أية فائدة. وهم إذ يدّعون بأنهم عند وقوعه يؤمنون، جاء السّؤال: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ)، فالاستفهام بمعنى إفساد رأيهم في دعواهم للإيمان وقت نزول العذاب، لأنها دعوى كاذبة يقصدون بها الهزء والسّخرية، فوقع الجواب هنا مجاراة لظاهر أحوالهم وبيان أخطائهم، فكأنما العذاب قد وقع والإيمان قد حصَل، ولذا جيء بالاستفهام الإنكاري من قبل الله تعالى: (ءَالآَنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، فلا إيمان يصحّ عند حلول العذاب، فإذا كان ذلك حالهم مع عذاب الدّنيا، فكيف بهم مع عذاب الآخرة. وهو أعظم وأشدّ إذ يقال للذين ظلموا: (ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ)، هكذا بأسلوب التّبكيت والتّقريع، وإذ كان هذا النّوع من العذاب مؤجّلا جيء بـ"ثم" للتّراخي، ووصفهم بالظّلم لبيان أنّ تحديهم للرّسول باستعجال العذاب هو كفر وشرك، وما نالوه من الجزاء فهو بكسبهم واختيارهم.