نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٥٩ولا شكّ أنّ الأولياء يتفاوتون في هذه المراتب، ولا شكّ أنّ أعلاهم منزلة في ذلك هم الأنبياء والرّسل، ولنا مثال من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أصبح في أحرج موقف بإحاطة المشركين على مدخل الغار مع صاحبه المفجوع إذ قال له: (لاَ تَحْزَنِ اِِنَّ اللهَ مَعَنَا) (التوبة:40). ولنا مثال آخر من سيدنا موسى عليه السلام عندما أصبح مع قومه بين فكيّ الأسد "فرعون وجنوده وأمواج البحر"، وهو خارج من مصر إلى الأرض المقدسة، قال تعالى في سورة الشّعراء: (فَلَمَّا تَرَآءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلآَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) (61 - 62).
يعلّق الإمام ابن عاشور على التّفسير البياني لهذه الآية فيقول: "فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحلّ بهم ما يحزنهم، ولما كان ما يخاف من شأنه أن يحزن من يصيبه كان نفي الحزن عنهم مؤكّدا لمعنى نفي خوف خائف عليهم. وجمهور المفسّرين حملوا الخوف والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشّقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف والحزن يحصلان في الدّنيا، كقوله: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُُّوسَى) (طه:67). وقد علمت ما يغني عن هذا التّأويل، وهو يبعد عن مفاد قوله: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ).(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 10/ 218.