نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٣١وكفالة الأرزاق من الله تعالى لجميع خلائقه لا يعني بحال من الأحوال عدم الكسب والارتزاق واتخاذ الأسباب، فإن ذلك مخالف لسنّة الحياة، بل ولتوجيهات الشّرع الحنيف. فالله تعالى يقول: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15). ويقول في مجال الإنفاق: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ) (البقرة:267). وقد أخطأ أولئك الذين يظنون أن السّعي في الرّزق بغي وجنون بدعوى التّوكّل على الله والرضى بما قسم وكان هذا التّوجّه السّقيم سببا لانحطاط المسلمين في القرون الأخيرة، وانعكس ذلك على بعض ما تركه الشّعراء من أفكار في هذا الصّدد، فهذا ابن زريق البغدادي يقول عن نفسه:
كأنما هو في حلّ ومر تحل … موكّل بفضاء الله يذرعه.
والسّعي في الرّزق والأرزاق قد قسمت … بغي، ألا إن بغي المرء يصرعه.
وقول آخر:
جرى قلم القضاء بما يكون … فسيّان التّحرّك والسّكون.
جنون منك أن تسعى لرزق … ويرزق في غشاوته الجنين.
ومن عجيب تدبير الله ورحمته ببعض مخلوقاته، عندما تعجز عن طلب الرّزق، حتى من الإنسان نفسه، أنه تعالى يسخّر لها ما يضمن لها حياتها. قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت:60).