نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤٠٣(إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ): والقرب في الصّفة العلية هو بمعنى الرّأفة والحلم، واختير بعده وصف "المجيب" لتنزيل المخاطبين بمنزلة المستعظمين لجرمهم الشّاكين في قبول توبتهم.
(قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ):
جاءتهم إجابتهم على غرار إجابة قوم هود، ولكنّها هنا أوغل في الملامة والعتاب بأن خيّب أملهم في ما كانوا يرجون منه قبل دعوته تلك إذ كانوا واثقين من رجاحة عقله وحسن تدبيره في إسناد أمورهم إليه. وقد عجبوا من تلك الدّعوة فجيء بهذا الاستفهام الإنكاريّ: (أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا)، وتلك هي الحجة الواهية التي يركن إليها المقلّدون الجاحدون، وهي تنمّ عن المكابرة والعناد، تجعلهم تائهين في ظلمات الشّكّ والرّيب من تلك الدّعوة الصّالحة. ووصف الشّكّ بـ"المريب" لزيادة التّوكيد والشّكّ يورث الرّيبة وهي أقوى منه في أغوار النّفس البشرية، إذ يبدأ الشّكّ بالتّردّد الشّعوري، ثم يستحكم ويتقوّى حتى يصبح ريبا يفسد الإيمان، فكيف كانت إجابة صالح عليه السلام: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَآيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَءَاتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَّنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ’ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ).
تصدرت إجابة صالح بندائهم: (يَا قَوْمِ) لاستجاشة عاطفة القرابة وإعدادهم للاهتمام بما سيقوله. وإذ كانت المحاورة مع الجاحدين جاء الاستفهام التّقريريّ: (أَرَآيْتُم) بمعنى الاعتقاد. وجيء بعده بأداة الشّكّ: "إِن" أيْ أخبروني ماذا أنا فاعل إن كنت على بصيرة من أمري واثقا بما أرسلني به ربّي، وقد أتاني رحمة النّبوءة. فكيف أعصيه في هذه الحالة وكيف يكون مصيري أمام عذاب الله وأنتم لا تستطيعون دفعه عني؟.