نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤٣٧قلت: وتوضيح ذلك أنّ الله تعالى قد خصّ موسى بنوع من الرّعاية إذ نشأ وتربّى في حضن فرعون وترعرع في تلك البيئة الغارقة في الظّلم والجبروت، فأحاطه الله بسياج من حفظه ورعايته فقال له تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ) (طه:39). فقد صاحبته رعاية الله في نشأته وتكوينه كما صاحبته في بعثته ودعوته لفرعون وملأه بظهور الآيات والسّلطان المبين، لتدلّ دلالة قاطعة على صدق نبوءته، فقد أيّده الله بالمعجزات الحسّية، وأشهرها عصاه التي قهر بها سحرة فرعون. واستعير لفظ "السّلطان" للحجّة الدّامغة، لأنّ صاحبها يقهر بها من لا حجّة له عند المحاورة كما يقهر السّلطان غيره، وخصّ الملأ بالذّكر مع فرعون لأنهم علية القوم في الاستشارة والتّنفيذ للأوامر.
(فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ): عقّب الله الإرسال باتّباع الملأ لأمر فرعون، أي في شأنه ومنهجه في الكفر والضّلال، أو الأمر بمعنى تكليفهم بالتّكذيب والإعراض عن دعوة موسى. وتكرار اسم فرعون لكونه رأس الكفر ولبيان ذلّة الملأ وخضوعهم التّامّ لسلطته في حالة كون تصرّفه غير رشيد، أي ليس فيه رشد ولا هدى. وإسناد نفي الرّشد إلى الأمر نفسه هو إسناد مجازي للمبالغة، فهؤلاء السّادة على ما لهم من مكانة في دولة فرعون هم سفهاء حمقى لا يملكون أمر أنفسهم في حرية التّعبير والعمل. وتلك هي حالة أذناب الطّواغيت قديما وحديثا، فما هي عاقبتهم في الدّنيا والآخرة؟. إنها الرّيادة والتّقدم على أتباعهم في ورود النّار يوم القيامة، واللّعنة والخزي في الحياة الدّنيا: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِيسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ، وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ).