نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤٤١وإن كان الخطاب موجّها لرسول الله فهو في مجال الدّعوة قدوة للمؤمنين، فالقاصّ هو الله العليم بأحوال تلك الأمم، والعادل الحكيم في تدبير شؤونها وتقرير مصائرها، ومهمّة الرّسول أن يبلّغ ذلك للنّاس وينذرهم حتى يتبيّنوا مسؤولية اختيارهم فوزا وفلاحا أو خزيا وهلاكا. وبما أن أهل تلك القرى قد هلكوا فإن ما بنوه من الدّيار وما شيّدوا من عمران قد اختلفت صوره من بعدهم، فمنه ما بقيت له آثار كالزّرع القائم على سوقه، ومنه ما اندرست معالمه كليّة كأن لم تقم من قبل، وفي كلتا الحالتين فإنها عبرة للمعتبرين، وتذكرة للغافلين.
(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ): أي ما كان لهم ذلك المصير المشؤوم بظلم من الله -حاشاه- ولكنّه كان نتيجة لظلمهم أنفسهم بالإشراك بالله والإفساد في الأرض والإصرار على الكفر والضّلال بحيث لا يُرجى منهم هدى ولا رشاد، بل تمادوا على عبادة الأصنام يلتمسون منها دفع الضّرّ عنهم، ظانين أنهم بذلك في أمن مما ينذرهم به رسلهم من سخط الله وعذابه.
(فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمُ ءَالِهَتُهُمُ التِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ امْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ): فها هو أمر الله قد قضى بإهلاكهم فما وجدوا من تلك الآلهة عونا ولا نصيرا، بل ما زادتهم تلك الآلهة الباطلة إلاّ هلاكا على هلاك، ووجه ذلك أنهم كانوا يأملون أن تنتقم تلك الآلهة لهم من الرّسل، فلمّا جاء الواقع بعكس ما يظنون زادهم ذلك غيظًا وحسرةً، وتضاعف بذلك خسرانهم وهلاكهم.
(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ): الإشارة إلى ذلك الهلاك للقرى الماضية بسبب الظّلم والفساد، يأخذ الله على نحو منه كلّ قرية ظالمة في كلّ زمان ولكلّ قوم. والمقصود بذلك هو التّعريض بمشركي مكة وأشباههم أن يصيبهم مثل ذلك إن هم تمادوا على الظّلم والطّغيان.