نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٤٤٧

وبما أن المقام هو مقام الإنذار فقد بدأ الله بالفريق الشّقي فقال: (فَأَمَّا الذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، فرّع الله على الإجمال السّابق هذا التّفصيل بذكر مآل كل فريق على التّرتيب السّابق فذكر مستقرّ الذين شقوا وأنه نار جهنّم، وخصّ من أحوالهم فيها ذكر الزّفير والشّهيق لوصف الحالة التي يكونون عليها من الألم والضّيق والعناء باضطراب تنفّسهم لشدة الكرب والحزن، وهي حالة تعرض للإنسان في حالة المرض ولا تخفّف عنه إلا بالوسائل التّنفّس الصّناعي، ولله المثل الأعلى في تشخيص ذلك العذاب كما قال: (لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا) (فاطر:36).

(وَأَمَّا الذِينَ سَعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ): اكتفى الله بذكر الجنة مثوى للسعداء، وحسبهم بها نعيما أبديا، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما جاء في الحديث.

وفي كلا الجزاءين جاء الاستثناء بعد ذكر الخلود في كلتا الدّارين، جاء بقوله تعالى: (إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ)، أي كلّ من جزائي أهل الجنة وأهل النّار يتمّ بمشيئة الله. وللمفسّرين تأويلات في تفسير ذلك الاستثناء، ولا شكّ أنّ المقصود بدوام السّماوات والأرض هو التّأبيد، لأنّ ذلك جرى مجرى التّمثيل. يقول القطب … -رحمه الله-: "والسّماوات والأرض منقطعة، ولكن مثّل بدوامها على طريق العرب في التّمثيل لما لا انقطاع له بما له انقطاع بعيد".(1)

(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 7/ 38.

٢٬٦٧٣ / ٦٬٢٠١