نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٤٦٤

ولتوجيه الخطاب للرّسول في مثل هذه الإخبار فائدته القصوى في مجال الدّعوة، وهو الحريص على إيمان قومه والمتألّم لشقاوتهم وإعناتهم، يخبره الله تعالى بأنه اقتضت حكمته أن تتفاوت عقول خلقه في الإدراك وبعد النّظر كما تتفاوت نفوسهم في قابلية الرّشد والصّلاح، أو الغيّ والضّلال، وليس معنى ذلك أنهم في تمكين الله لهم من الاختيار أنهم منفلتون من إرادة ومشيئته، بل لا يتمّ اختيارهم إلاّ وفق ما قدّره الله لكلّ واحد منهم في علمه الأزلي، إذ لو شاء الله لكانوا في حياتهم الاجتماعية كمملكة النّحل أو النّمل، ولكانوا في حياتهم الرّوحية كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، إذ العمران البشري لا يستقيم إلا بتدافع النّاس بعضهم لبعض، سيما بعد أن تطوّر إلى عهد قوته وشبابه فتعددت مطالبه وتشعّبت مناهجه كما قال تعالى في سورة البقرة: (وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (251). ثم أكّد الله هذا المعنى بقوله: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، أي إنّ الواقع في الوجود البشري هو وجود الاختلاف بينهم في كلّ شيء، وذلك مظهر من مظاهر قدرة الله وجلال حكمته قال تعالى: (وَمِنَ -ايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاََرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (الرّوم:22).

٢٬٦٩٠ / ٦٬٢٠١