نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07

الجزء ٩ · صفحة ٢٣

كان الأب الشّفوق لا يأذن ليوسف بالخروج مع إخوته، خشية أن يصيبه مكروه، وكان يضمر ذلك الخوف ولا يصرّح به، غير أن الاخوة المتآمرين بادروه بسؤال ماكر فيه عتب واستنكار: (مَا لَكَ لاَ تَامَنَّا عَلَى يُوسُفَ)؟؟ وفيه استجاشة واستمالة إلى عكس ما يضمره من عدم ائتمانهم على أخيهم. ويبدو أن يوسف قد أتبع نصيحة أبيه في عدم إخبارهم بالرؤيا، وربما علموا بها من طريق ءاخر فازدادوا حنقا وغيظا. غير أنهم عرفوا كيف يرتمون على أبيهم فأضافوا هذه الجملة الحالية: (وَإِنَّا لَهُ’ لَنَاصِحُونَ): مؤكدة بأن واللاّم وتقديم: (لَهُ’): على خبرها للتّعبير على مدى إخلاصهم لأخيهم. ولولا أنهم على عكس ذلك في قرارة أنفسهم لما احتاجوا إلى تلك المؤكدات. وزيادة في التّحفيز والإغراء للأب قدّموا ذلك الملتمس الذي يزيّن للأب إرسال الولد معهم للتسلية والاستجمام: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ’ لَحَافِظُونَ): إنه اللّعب والرّتوع. هكذا على الإطلاق. ويفهم من قولهم: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ): أن اللّعب كان من نوع الاستباق في العدو أو الرّمي على عادة أهل البادية. وأما الرّتع فهو مستعار من أكل الماشية حيث يشاء ويعني الأكل مما يطيب من الفاكهة بحرية وفي سعة. ثم أكّدوا شدة حرصهم ومحافظتهم على أخيهم. وفي ذلك زيادة استئناس لقلب الأب الشّفوق. فكانت إجابته مفصحة عما يختلج في صدره من الحزن على فراق ولده، وخشيته من انشغال إخوته عنه حتى يصيبه مكروه. إذ قال:

(قَالَ إِنِّي لَيُحْزِنُنِيَ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَّاكُلَهُ الذِّيبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُواْ لَئِنَ اَكَلَهُ الذِّيبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اِنَّآ إِذاً لَّخَاسِرُونَ):

لقد اعتذر الأب بشيئين:

٢٬٧٢٤ / ٦٬٢٠١