نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07

الجزء ٩ · صفحة ٥٠

وفي نشوة الانتصار وبشيء من الزّهو والافتخار أشارت المرأة بكاف البعد: (فَذَلِكُنَّ): للدّلالة على بعد لومهن لها إذ أخطأن في التّقدير وأسرفن في التّعبير، أو هو بعد لحقيقة يوسف في كمال خلقه وجمال صورته عما كان في تصورّهن من كونه مجرّد عبد أو خادم تراوده سيّدته عن نفسه. وهنا لا تتحرّج المرأة أمام صواحبها –وهن في موجة الانبهار- لا تتحرج أن تكشف نزوتها الجنسية نحوه ولكنه واجهها بامتناع المعصوم عن الدنايا، فإذا هي في موقف المسيطر المستعلي فتقسم على تأديبه بالسّجن وإهانته إن هو استمرّ على امتناعه عنها: (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ’ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ): فهو إنذار بأشدّ مما أنذرته به أولا في حضرة زوجها لأنه مؤكّد بالقسم والمؤكدات الأخرى وفيه صغار وإهانة. وأمام هذا التّهجّم القاسي لجأ يوسف إلى الله يسترعاه ويشكو ضعف نفسه إن لم يمدده الله بعونه وهو يقول:

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ):

ففي تلك اللّحظات الحرجة من هياج الغريزة لنّسوة مفتونات برجل وحيد بينهن في مواجهتهم بالعفاف والتّصوّن ناجى يوسف ربّه ولاذ بحماه أن يصرف عنه كيدهنّ، لأن حبّه لله وطلب رضاه جعله يستخفّ من ضيق السّجن وأهواله، فهو أحبّ إليه من اللّذة والاستمتاع الجنسيّ المرغوب فيه من أولئك النّسوة المتدللات عليه بمفاتنهن، قاسم التّفضيل هنا: (أَحَبُّ إِلَيَّ) لا مفهوم له، بل هو لترجيح أحد الأمرين، حين تعارضا، أي ارتكاب الفاحشة أو السّجن. لأن مجاهدة نزوات النّفس أمام المفاتن والمغريات أشق على النّفوس الطّاهرة من ضيق السّجن وعذابه.

٢٬٧٥١ / ٦٬٢٠١