نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨(صِبْغَةَ اللَّهِ): من صبغ الثّوب يصبَغه -بفتح الباء وكسرها وضمّها-، والصّبغة هي الحالة التي يقع عليها الصّبغ، أي جعل الثوب بلون خاصّ، والمراد بذلك دين الله والإيمان به لظهور أثره على صاحبه، لأنّ الإيمان يتداخل ويمتزج في قلوب المؤمنين كما يتداخل الصّبغ ويمتزج بالثّوب. (اَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ): أي تجادلوننا جدالاً يقطعنا، لأنّ الحجّ القطع، والمعنى أتجادلوننا في أنّ الله اصطفى رسولاً من العرب لا منكم. (لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمُ، أَعْمَالُكُمْ): أي كلّ يجازى بعمله، والمقصود بحديثنا معكم هو النّصيحة في الدّين. (أَمْ يَقُولُونَ): قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (أَمْ تَقُولُونَ) بالتّاء على المخاطبة كـ"أتحاجوّننا"، والباقون بالياء على أنّه إخبار عن اليهود والنّصارى، فـ"أم" إمّا متّصلة أو منقطعة للانتقال من التّوبيخ على المحاجّة إلى التّوبيخ على الافتراء على الأنبياء. (وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ، مِنَ اللَّهِ): أي إخفائها عن النّاس احتكاراً لها عنده، وقد جاءت من الله في ما أوحى به إلى رسله.
ج) - البيان والتّفسير:
بعد أن ذكر الله تعالى صحّة هذا الدّين، بأن لقّن للمؤمنين ما يقولونه للإفصاح عن عقيدتهم الصّحيحة أمام أهل الكتاب، ذكر هنا بأسلوب التّشبيه ما يُظهر حقيقة الدّين إظهاراً جليّاً يصوّر مدى تمازجه بقلوب المؤمنين تظهر آثاره على تصرّفاتهم بالمشاهدة، كما تظهر الصّبغة على الثّوب المصبوغ، فقال تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ، عَابِدُونَ):
(صْبغَةَ): منصوب على البدليّة من (مِلَّةً) وتفسير لها، أو بتقدير فعل (اتّبعوا) أو هو مصدر مؤكّد أضيف للفظ الجلالة تعظيماً وتشريفاً وأنّها فطرة الله التي فطر النّاس عليها، لا تعصّب فيها لأحد، تتمثّل في هذا الدّين الذي أُمِرتم باتّباعه.