نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٦٨

الله أعلم كيف يحصل ذلك، فلكل شيء منطقه، ولكننا -نحن البشر- لا نفقهه، ولذلك قال تعالى: {لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم). والدّليل على ذلك قوله تعالى في عبديه سليمان وداوود:

أ) - {وَلَقَدَ -اتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ’ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ:10).

ب) - وقال سليمان شاكرا نعمة ربّه: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النّمل:16).

يقول الشّيخ الشّعراويّ في تفسيره: "قوله تعالى: {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم) يدلّ على أنه تسبيح فوق تسبيح الدّلالة الذي آمن بمقتضاها المؤمنون. إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كلّ جنس من الأجناس. وإذا كنا لا نفقه هذا التّسبيح فقد قال تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ’ وَتَسْبِيحَهُ) (النّور:41). إذن كل شيء في الوجود علم كيف يصلّي لله، وكيف يسبّح لله. وفي القرآن آيات تدلّ بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته. وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللّغة لمجرّد أننا لا نفهمها؟. وهاهم النّاس أنفسهم ولهم في الأداء القولي لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف بينهم اللّغات، ولا يفهم بعضهم بعضا".(1)

قلت: إن الآيات القرآنية التي تدلّ على ما ذهب إليه الشّيخ الشّعراوي هي التي تقدم ذكرها في سورة النّمل. ويؤيّد هذا التّوجيه قوله تعالى في بيان مشهد من مشاهد القيامة في سورة فصلت: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللهُ الذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (21).

(1) 1 - الشعراوي، التفسير: 14/ 60 - 85.

٢٬٩١٧ / ٦٬٢٠١