نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٩٤تبعا لتسلية الرّسول وتطمينه بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، عطف الله على ذلك قوله في هذه الآية الكريمة، تذكيرا له ولقومه بمفعول الحسد والكبر في النّاس من لدن آدم عليه السلام حين حسده إبليس اللّعين على ما كّرمه الله به فقال جلّ من قائل: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَآسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً).
والتّقدير: اذكر -يا محمد- ويذكر معك قومك، عداوة إبليس وذريته لآدم وذريته، وإن تلك العداوة متأصّلة بين الفريقين من قديم الزّمان. وقصّة بدء الخليقة بآدم وزوجه وحسد الشّيطان وتحديه لأمر الله بالسّجود له مع الملائكة المقربين قد تقدمت في سور البقرة والأعراف والحجر كما ذكرت باختصار هنا في سورة الإسراء وفي سور الكهف وطه وص.
فكل من الملائكة وإبليس يمثلان في جانب الله تعالى الطّاعة والخضوع والإذعان أو التّمرّد والنّفور والعصيان، فامتناع إبليس عن السّجود كان بدافع الكبر والحسد، إذ عبّر عن امتناعه بقوله: {ءَآسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)، إذ جعل ذات آدم من جنس الطّين مبالغة في الاحتقار، ونسي اللّعين النّفخة العلوية فيه من روح الله، وقد فاضل بين خلقته هو وخلقة آدم إذ قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ’ مِن طِينٍ) (صّ:76). وكان في زعمه عنصر النّار أرفع من عنصر الطّين، وفي ذلك الزّعم جراءة على الله بوصفه بعدم العدل في الخلق.
ثم من قال إن النّار أكرم من الطّين؟، فهي التي تنبت الأشجار التي توقد بها النّار، بل الكلّ من خلق الله، وهو الذي يعطي لها خصائصها.
غير أن إبليس تابع جرأته على الله: {قَالَ أَرَآيْتَكَ هَذَا الذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنَ اَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً).