نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٩٩وإزجاء الفلك بمعنى: سوقها بطيئا وشيئا فشيئا. وإسناده إليه تعالى على اعتبار أنه هو الخالق الملهم للإنسان إلى معرفة القوانين الطّبيعية لصناعة تلك الفلك وتسييرها على سطح الماء محمّلة بالرّكّاب والأرزاق. ويذكر الله في آيات أخرى تجزيتها بالرّيح على المعهود من الأشرعة والقلع. ولم يتعرّض للقوى الأخرى من البخار والكهرباء والطّاقة الذّرية مما توصّل إليه الإنسان فقد أجمل كل ذلك في قوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (النّحل:8).
وبما أن هذه النّعمة من ركوب البحر قد تحفّ بها الأخطار، ولا يملك درأها عن الإنسان إلا الله فقد جاء التّذييل بما يناسب ذلك بقوله تعالى: {إِنَّهُ’ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً). التّذكير بالرّحمة هنا تأكيد لفضل الله ومنّته، وأنه هو الأجدر بالألوهية والرّبوبية.
ثم أعقبه بدليل آخر حين يقرّون لله بذلك إذا وقعوا في شدّة فقال تعالى: … {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمُ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الاِنسَانُ كَفُوراً).
ومسّ الضّرّ في البحر بمعنى الإشراف على الغرق، وهنا يتعيّن الخطاب للكفّار، إذ هم الجاحدون لفضل الله في وقت الرّخاء. وبما أنهم لا يستطيعون أن يخادعوا أنفسهم في التّوجّه لغير الله وقت الشّدة، فإنهم عندما تنتابهم تلك الحالة يتيقظ فيهم نداء الفطرة فينسون تلك الآلهة الباطلة، فلا يتذكّرون إلا الله في تلك الحالة، ويعترفون بأنه وحده كاشف الضّرّ، ولكنهم بمجرّد أن يشعروا بالأمان وقد نجاهم الله من ذلك الكرب العظيم، فإنهم يعودون إلى كفرهم الأول. والكفر سجية الإنسان لا ينفكّ عنها إلا من رحم الله.