نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٠٧وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، الظّلم هنا بمعنى النّقص. والفتيل: تصوير للأمر الحقير بخيط النّواة، وتوفية المؤمن حقه من الجزاء هو من تمام العدل الإلهي، وفي مقابل هذا الصّنف الخيّر من المؤمنين يذكرالله الكافر الجاحد ولا ينصّ على قراءة كتبهم إذ هم في غمّ وحيرة ويودّون أن لم يأخذوا تلك الكتب كما قال الله عنهم: {وَأَمَّا مَنُ أُوتِيَ كِتَابَهُ’ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة:25). بل يصفهم بالعمى في الدّنيا والآخرة، فالعمى هنا هو عمى البصيرة عن نعم الله وآيات قدرته، فهم وإن كانوا يتمتعون بالرّؤية البصرية فهم غافلون عن مجالات ذكر الله وشكره، كما قال عنهم تعالى: {وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا) (الأعراف:179). وقال المتنبيّ:
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره … إذا استوت عنده الأنوار والظّلم.
وهم في الآخرة أكثر عمى وأضلّ سبيلا. فقيل: إن عماهم في الآخرة أشدّ، إذ هو عمى حقيقي في الأبصار وعمى حقيقي في البصائر.
وفي القرآن آيات أخرى تدلّ على أن الكفار يحشرون عميا في الآخرة كقوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً) (الإسراء:97).
والأرجح أن ما ورد في الآية هو كناية عن الضّلال عن سبيل النّجاة والفلاح لما يتخبطون فيه من الحيرة والاضطراب، وكان ذلك الضّلال في الآخرة أعظم لأنه قد سلب منه الاختيار في ذلك الموقف فلا يستطيع استدراك ما ضيّعه.
{وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ’ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً، وَلَوْلآَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، اِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً):