نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٣إنه ردّ شامل جامع لكل ما اقترحوه وأثاروه من الشّبهات، وهو الفصل النّهائي بين الطّرفين: طرف محقّ له النّصر والتّأييد، وطرف آخر مبطل مدحور بالحجة. وكفى بشهادة الله تأييدا لرسوله بالأمانة والصّدق: {إِنَّهُ’ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)، فهو العليم بنواياهم الحقيقية والعليم بذواتهم وجميع أحوالها، وفي هذا التّعليل تهديد للمتعنتين، وتسلية للرسول.
{وَمَنْ يَّهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً):
وهذا الإخبار المعطوف على ما سبقه هو زيادة في تسلية رسول الله ببيان مطلق تصرفّه تعالى في خلقه، سيما في قضية الهداية والضّلالة، حتى لا يحزن الرّسول في أداء مهمته، وهي تتمثل -كما تقدم-:
أ) - مهمة دعوته لكل النّاس، فهو يدلهم بالبيان والحجة على الطّريق المستقيم كما قال له تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشّورى:52). وهو الخطّ المستقيم لا يتعدّد، كما يدلّ عليه الإفراد في الجملة الأولى: {وَمَنْ يَّهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ).
وأما في مقابله من الضّلالة فقال: {وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ) بصيغة الجمع؛ لأن طرق الضّلالة متعددة متنوّعة، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام:153).
أما كون الهدى والضّلالة بأمر الله في قضية القضاء والقدر، فقد أشرنا من قبل أن لا تناقض بين قدر الله وعلمه الأزلّي واختيار الإنسان لأحد الطّريقين، هدى أو ضلالة، وفي كلتا الحالتين فإن الله هو الخالق لذلك الفعل يوفّر له أسبابه وفق اختيار الإنسان وكسبه.