نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٨٥

هذا إعلان آخر يتّسم بجرّ المعاند إلى الاعتراف، فالقرآن هو الحقّ المنزل من الرّب تعالى، إذ المخاطبون يقرّون بالرّبوبية لله بأنّه الخالق الرّازق، فهو ربّ جميع الخلائق، والحق هو الأمر الثّابت الذي لا يتغيّر، وهو المنزّل من عند الله لتبليغه للناس، فيجب عليهم اتّباعه لأنّ فيه مصلحتهم، ولكن لا إكراه لهم في ذلك، فالإيمان أو الكفر به موكول إلى اختياركم؛ لأنّ الله تعالى غنّي عن العالمين، فالنّفع أو الضّرر في ذلك يعود على الإنسان نفسه. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنَ اَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (فصلت:46).

ويلاحظ أن الأمر في قوله تعالى: "فَلْيُومِنْ"، "فَلْيَكْفُرِ" ليس هو على حقيقته، بل هو لمعنى التّسوية؛ لأن الله لا يأمر بالكفر، وقدّم الأمر بالإيمان لأنه هو المطلوب.

ولما كان الكفر غير مرغوب فيه أعقبه الله بالتّهديد فقال: {اِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً اَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَّسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِيسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً).

جاء التّهديد بتضخيم العقاب على الكفر -وهو أعظم الظّلم- فأضفى الله تعالى على النّار أوصافا مهولة من شأنها أن تردع العصاة وتبعدهم عن العناد والتّحدّي فقال تعالى:

أ) - {اَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا): فاستعير السّرادق لمعنى الإحاطة والحجز، فلا يجدون متنفّسا ولا مخرجا.

ب) - {وَإِنْ يَّسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِيسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً)، وتكون الإسثغاثة لطلب الغوث والإنقاذ من ألم أو هول.

٣٬٠٣٤ / ٦٬٢٠١