نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٥قلت: ويؤيّده قوله بعد ذلك: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ’ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ)، وبنظير الجنتين جاء وصفه تعالى لحضارة "سبأ" في جنوب اليمن، وهي تقوم على الزّراعة إذ قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ) (سبأ:15)، أي عن يمين الوادي وشماله، والذي بني عليه "سدّ مأرب" العظيم. فهي جنات وارفة الظّلال تمتد على ضفتي الوادي لحوالي ثمانين كيلومتر كما حقّقه بعض المهندسين والمؤرخين، فكان المسافر يسير أياما وليالي تحت الظّلال، فكفر القوم بتلك النّعمة إذ قالوا: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (سبأ:19).
يقول تعالى في شأن الجنتين هنا: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتُ اُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً، وَكَانَ لَهُ’ ثُمُرٌ)، والأُكْل بمعنى الثّمار المختلفة التي تغلّها كلّ جنة. وأسند الإيتاء إليها للدّلالة على فرط الكرم حتى لكأنها تعطي من عندها. ولتركيز معنى الجود والكرم أضيفت جملة: {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً) أي لم تنقص من ذلك الأكل شيئا. وما أروع التّعبير بفعل الظّلم لما هو جماد كالأرض، فهي الأمّ الحنون المعطاء لا تبخس حقك أبدا حين تقوم بواجبك نحوها من حرث وزرع وسقي، بل هي تعطيك من خيراتها ما لم تبذل فيه سعيا، ولا نلت فيه تعبا.
وتفجير المياه خلال الجنتين يعني ضمان السّقي لهما، إذ لا يجرّ الماء إليهما من الخارج فيخشى انقطاعه -أحيانا- كما يحدث لكثير من الأجنة.