نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢١١{لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمُ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً): أكّد الله هذا الإخبار باللام المشعرة بالقسم للتّهديد والتّوبيخ ما يدلّ عليه الالتفات من ضمير الغائب إلى ضمير الخطاب، من العناية والاهتمام لإبلاغ ذلك التّهديد وهو موجّه إليهم من قبل الله تعالى. والتّشبيه في قوله: {كَمَا خَلَقْنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّة) هو للتّعريض بالمشركين في إنكارهم للبعث بعد أن تأكّدوا من قدرة الله في إعادة خلقهم من جديد. وآية سورة الأنعام أكثر تفصيلا لهذا المعنى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذِينَ زَعَمْتُمُ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ) (الأنعام:94). وقوله تعالى هنا: {بَلْ زَعَمْتُمُ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً): الإضراب بـ"بل" يدلّ على زيادة التّغليظ على اعتقادهم الباطل بإنكار البعث.
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً):
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ): والمراد بالكتاب الجنس، أي كتب أعمال البشر كما تدلّ على ذلك آيات أخرى، فبعد الوقوف والاستعراض تأتي قراءة المحضر لا من المدّعي العام، بل من كلّ واحد من خلق الله ليكون شاهدا على نفسه كما قال تعالى في سورة الإسراء: {وَكُلَّ إِنسَانٍ اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ’ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) … (13 - 14).