نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢١٥ونحن -البشر- إذ نحسّ بنوازع الخير أو الشّرّ في نفوسنا نؤمن بتلك الأرواح الغيبية التي تلابس أرواحنا وإن كنا لا نعرف كيف يتمّ ذلك، وقد بيّنه لنا رسول الله حين قال: «إن للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأما لمّة الشّيطان فإيعاد بالشّرّ وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، وليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم. ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ) (البقرة:268)»(1)
قلنا: إنّ لقصص القرآن في كل سورة فوائد تعطينا لقطات معينة في كل سورة، ولا تأتي لمجرّد التّكرار. وفي هذه السّورة جاءت لتحسم الخلاف الكبير بين العلماء في تحديد ماهية الشّيطان وأصله، إذ قال تعالى: {إِلآَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنَ اَمْرِ رَبِّهِ)، فثبت بالنّصّ القطعي أنه لم يكن من جملة الملائكة، وأن الاستثناء في الآية منقطع. ويمكن أن يكون الله أمره بالسّجود كما أمر الملائكة، ولكنّه عصى وتمرّد؛ إذ الجنّ خلق مكلّف مثلنا فيهم الصّالحون وفيهم دون ذلك كما صرّحت به سورة الجنّ.
فقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنَ اَمْرِ رَبِّهِ)، والفسق هو الخروج عن الطّاعة، وإضافة الأمر إلى لفظ "الرّبّ" عوضا عن الضّمير هي للدّلالة على فظاعة الجريمة التي ارتكبها إبليس في حقّ من تجب عليه طاعته.
وبما أن المخاطبين هم على دراية من قصة إبليس وآدم، وكانوا شديدي الخوف من الجنّ والشّياطين، حتى عبدوهم من دون الله، فإنّه تعالى عقّب بهذا التّعجيب الذي يتضمن التّحذير فقال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ’ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب (44) تفسير القرآن، باب (2) من سورة البقرة، رقم 2988، وقال: حسن صحيح.