نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٣

إذًا لقد تحدّد المكان ورسم الهدف، وعرف المسافر أنّ العلامة التي تدلهما على المكان هي فقدان الحوت من المكتل. قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ’ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً، قَالَ أَرَآيْتَ إِذَ اَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنَ اَذْكُرَهُ’ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ’ فِي الْبَحْرِ عَجَباً).

نفهم من السّياق أنّ موسى وفتاه سارَا في منطلق رحلتهما صوب مجمع البحرين حيث دلّهما الله إليه، ولكن نسيا حوتهما في بعض الطّريق، وكان حوتا مشويا في المكتل. وقد نسب الله إليهما النّسيان معا، بينما المهمة كانت موكلة إلى الفتى حامل المكتل، غير أن موسى -باعتباره رئيس الموكب- كان عليه أن يتفقد أحوال الرّحلة، وهو إذ لم يفعل ذلك فإن له قسطا من المسؤولية.

وقوله تعالى: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ’ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) أي: تسرّب الحوت في الماء جريا على طبيعته المائية. وعودة الحياة إلى الحوت المشويّ هو معجزة خارقة للعادة مما خصّ الله به موسى من المعجزات، جعلها الله له علامة للموعد مع الرّجل الصّالح، ولكنهما جاوزا ذلك المكان وأحسّا بالجوع من طول المشي. وعند ذلك انتبه موسى لتجاوز مكان الموعد، فطلب من فتاه الطّعام، فاعتذر هذا بنسيان الحوت عند الصّخرة، وأنّ الشّيطان هو الذي شوّش عليه أفكاره فنسي مهمته. متعجّبا ممّا حدث.

{فَارْتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصاً، فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً):

٣٬٠٨٢ / ٦٬٢٠١