نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٧ذلك ما حدث لموسى وهو يحاول أن يوائم بين ما شاهده وبين الحكم الشّرعي في إتلاف مال الغير، ولكنه اصطدم بتصرفات معلّمه الذي لاطفه مرة أخرى وذكره بالشّرط الذي التزم به فقال: {قَالَ أَلَمَ اَقُلِ اِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً، قَالَ لاَ تُوَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنَ اَمْرِي عُسْراً).
يعتذر موسى بأدب إذ نسي التزامه بالشّرط، ويلتمس من معلّمه عدم المؤاخذة على ذلك، وأن لا يرهقه في المعاملة بكثرة التّذكير.
وإذ قبل المعلم الاعتذار ينتقل الرّجلان إلى المشهد الثّاني: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ’ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكُراً).
وهذه المبادرة أغرب وأعجب في نظر موسى، نظرا لحرمة النّفس البشرية أن تزهق بغير حقّ، وذلك محرّم في جميع الشّرائع السّماوية. ومرة أخرى لم يملك موسى نفسه في اللّوم والعتاب الذي وجّهه إلى معلّمه قصدا من غير نسيان وبلهجة أعْنف من الأولى؛ لأنّ الغلام المقتول ذو نفس زكية طاهرة، إذ لم يبلغ رشده فيحاسب على ما يفعل.
وهنا يأتي ردّ المعلم بالتعيين المباشر للمخاطب: {أَلَمَ اَقُل لَّكَ)، وبنفس التّذكير في المرة الأولى: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً).
وكان موسى قد راجع نفسه للمرّة الثّانية بمخالفة الوعد، فلا يرى إلا أن يقطع الطّريق على نفسه ويجعلها محاولة أخيرة إن أخلّ بالشّرط مرة أخرى: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِي عُذْراً).
إنه الفراق بين الرّجلين إن تمادى موسى على قلة صبره وإخلاله بالشّرط، وإنها الفرصة الأخيرة.
شاءت حكمة الله أن تكفي النّماذج الثّلاثة لتكون المكاشفة الغيبية بعدها للرّجل الصّالح، وقد تمنّى رسول الله أن لو صبر موسى عليه السلام حتى نعرف الكثير من تلك الأخبار العجيبة، والله أعلم.