نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٤١هكذا كانت المفاصلة بين الرّجلين ضربة لازب، إذ اشترط موسى على نفسه إن سأل الرّجل في المرة الثّالثة أن ينهي صحبته به. وها هو يسأله فليس -إذن- إلا الفراق بينهما. ولكن العبد الصّالح يريد أن يوفّي بوعده لموسى فيبيّن له ما غمض عليه، فلم يتركه في حيرته. إذ قال له: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً).
ونعمت الخاتمة لهذه الصّحبة، إذ انتهت بتمام المفاهمة والوفاق على ما لكلّ من الرّجلين من توجّه متناقض، ولكن يلتزم كلّ منهما حدود ما علّمه الله.
ثم أخذ العبد الصّالح يكشف ما غمض على موسى من تصرفاته فقال: {اَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنَ اَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً).
السّفينة هي ملك لمساكين -هكذا بصيغة الجمع- دون ذكر العدد، وأقل الجمع ثلاثة، كما أنه لم يفصّل طبيعة ذلك العمل، وهو بالطّبع للكسب والارتزاق، وكان أمامهم ملِك جبّار يغتصب كلّ سفينة صالحة، فإحداث العيب فيها من طرف العبد الصّالح إنما هو لاتّقاء ما هو أضرّ بأولئك المساكين من الاستيلاء عليها كلّها لو بقيت سليمة.
والأخذ بالغصب يستلزم القوة، وقد يدافع المالك الشّرعيّ عن حقه، ولكن هؤلاء المساكين ليست لهم تلك القوة، فكان ذلك العطَب الجزئي في سفينتهم هو الحائل عن غصبها، ممّا يمكن أن نستخلصه من ذلك التّصرّف العجيب للعبد الصّالح في المحافظة على المال ولو بمختلف الحيل التي تفوّت على الظّالم أو السّارق انتهاك حرمة ذلك المال، سيما إذا كان ليتيم عاجز كما قرر العلماء.