نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٨٧القائل هو الله جلّ جلاله يردّ على تعجّب زكرياء، بأنّ ذلك هيّن على الله، وذلك على اعتبار مألوف النّاس، إذ يقولون: هذا سهل وهذا صعب. أمّا بالنّسبة لقدرة الله فالكلّ سواء في قدرته، فهو القادر على إصلاح سبب العقم في زوجته كما قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ’ زَوْجَهُ) (90). وهو القادر على إيجاد قوة الإنجاب في الرّجل الكبير. والله يذكره بالمثل القريب في نفسه هو بأن خلقه بعد أن لم يكن، فإعادة الخلق أسهل من بدئها كما قال تعالى: {وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ’ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) (الرّوم:27).
وقد حرص زكرياء على معرفة العلامة التي تدلّ على تحقق البشرى؛ إذ ربّما يتأخّر الموعود به لحكمة يعلمها الله، فهو يطلب علامة تدلّ على حمل امرأته ليعيش تلك الأمنية الغالية شاكرا الله عليها: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً).
جاءت الإجابة بأن لا يقدر على الكلام العادي للنّاس في ثلاث ليال حالة كونه سليما معافى، فـ"سوّي" وصف لزكرياء ينقطع في تلك اللّيالي الثّلاث إلى ربّه يسبّح له فينطق لسانه، وينحبس عن الكلام إذا حدث النّاس. فالعيّ العارض فيه ليس عيبا خلقيا، بل هو آية من الله لا اختيار له في ذلك حتى يتلافاه.
وقد تمّ ما أراد الله له، فماذا كان منه؟، قال الحق تبارك وتعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً).