نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٤١

{فَوَرَبِّكَ): الفاء للتّفريع على الجملة السّابقة، والخطاب بواو القسم، واختيار صفة "الرّبّ" للمقسم به مضافة إلى ضمير المخاطب -وهو الرّسول- وكلّ مؤمن بربوبية الله، والمقسم عليه هو قوله: {لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ)، والضّمير عائد إلى: {الاِنسَانُ) باعتبار الجنس، أي المشركين، وعطف عليه لفظ الشّياطين لأنّهم سبب ضلالهم. وحسبهم من الخزي أن يحشروا مع الشّياطين، ومصيرهم إلى جهنم محقق عند جميع النّاس، وفي إحضارهم حول جهنم جثيا على ركبهم تصوير تدريجي لمشهد الرّعب والهول وهم في ذلة وانكسار.

ولما كان ضمن أفواج المشركين ساداتهم وكبراؤهم ممن كانوا يمتازون في الدّنيا بالطّغيان والجبروت، فإن العدل الإلهي في الجزاء يقتضي أن يكون هؤلاء أولى بالمقت والعذاب، فهم ينتزعون بشدة من صفوف أتباعهم، والله أعلم بأولئك الطّغاة، وبمواقعهم في دركات جهنّم يدعّون إليها دعّا، ولا يجدون من أتباعهم إلاّ التّشفّي والدّعاء بمضاعفة العذاب لهم كما جاء في قوله تعالى على لسانهم في سورة الأحزاب: {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ، رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) … (67 - 68). فهذه لقطات تصويرية من عذاب يوم القيامة لفريق المشركين أقسم عليها الله تبارك وتعالى فهي آتية لا ريب فيها، فكيف بحال الخلائق كلها في ذلك الموقف المهول؟ وفي ذلك يقول المولى تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً، ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيّاً). العطف على ما سبق، وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب ارتقاء بأسلوب التّهديد إلى المواجهة المباشرة، ومعنى الآية في غاية الدّقة ووقوع الاحتمالات فيها. ذلك أن كلمة: {وَارِدُهَا) وهي من الورود وهو يجيء لمعنيين:

٣٬١٩٠ / ٦٬٢٠١