نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٥١

من ظواهر الكفر والشّرك الاستخفاف بالبعث والحشر، فبعد الرّدّ على منكريهما فرّع الله عليه هنا ما قاله بعض أولئك الطّغاة ممّا ذكر في أسباب النّزول من قصّة خبّاب بن الأرت مع العاصي بن وائل. فمما رواه الشّيخان والتّرمذي وأحمد عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قيْنا -أي حدّادا- وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله، لا أقضيك حتى تكفر بمحمّد صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أكفر بمحمّد حتى تموت ثم تبعث قال: فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني، ولي ثمَّ مال وولد فأعطيك. فأنزل الله تعالى: {اَفَرَآيْتَ الذِي كَفَرَ بِئَايَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً، اَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً، كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ’ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً، وَنَرِثُهُ’ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْداً).(1)

الخطاب لكلّ من يصلح له، لرسول الله ولغيره من المستمعين. والرّؤية علمية بمعنى "ألم ترَ هذا" فالاستفهام للتعجيب. ولم يعيّن الله شخص الكافر لأنّ أشباهه كثيرون في كل زمان ومكان. وآيات الله تعمّ كل آياته من ناطقة بالوحي المنزل أو صامتة على صفحة الكون تدلّ على عظمته وقدرته تعالى، وتبدو ظاهرة كفر هذا القائل في استهزائه بنبإ البعث إذ قال متهكما: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً)، هكذا بصيغة القسم والتّوكيد، إذ قاس الحياة الدّنيا بالحياة الأخرى -وهو لا يؤمن بها- ولكنه الغرور والكبرياء بحظوظه الدّنيوية جعلاه يعتقد أن الله سيكرمه في الحياتين إن وقع ذلك، كالذي قال: {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ’ لَلْحُسْنَى) (فصلت:50).

(1) 1 - رواه البخاري من حديث خباب بن الأرت، كتاب (37) الإجارة، باب (15) هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب، رقم 2275.

٣٬٢٠٠ / ٦٬٢٠١