نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ١٨قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الذِينَ أُوتُوهُ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَام بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ): تُطرح على هذا الاستئناف البياني أسئلة اختلف المفسرون في الإجابة عنها وهي:
أ- أين تقع هذه الكينونة للأمّة في مسار الزّمان وفي موكب البشريّة من لدن آدم عليه السلام إلى الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم؟.
ب- ما هو معقد تلك الوحدة في الأمة، أهو الإيمان والهدى أم هو الكفر والضّلال، أم هو الغالب منهما في مجتمع من المجتمعات، أم لا هذا ولا ذاك؟، بل المراد بالوحدة كما ذهب إليه أبو مسلم الأصفهاني وأبو بكر الباقلاني أنّ وحدة الأمّة كانت فيما هو من مقتضى أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل من الاعتقاد والعمل، لأن الاستسلام إلى العقول بدون هداية إلهيّة مما يدعو إلى الاختلاف. ولكلٍّ في هذه الاحتمالات ما يؤيّدها من النّص ولكن بشيء من التأويل قد يجانب الصواب.
ولصاحب المنار توجيه بديع اعتمد فيه على ما يكتنف الآية وعلى تتبّعه لما ورد من وصف الأمة بالوحدة في القرآن الكريم كلّه، وبناءً على أن "كان" هنا معناها للثّبوت لا للمضيّ جرياً على ما اختاره الإمام القرطبي، فقال صاحب المنار ما ملخصه: معنى وحدة الأمة أن الله تعالى خلق الإنسان وجعله مدنيّاً بطبعه مرتبطاً ببني جنسه في كسبه وتدبير أمور معاشه، فهو عضو متكامل مع الأعضاء الأخرى في جسم الأمة، كما صوّر الرسول ذلك وكما قال المعرّي:
النّاس للنّاس من بدو وحاضرة … بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم