نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٣٦٣بعد ذكر أحوال المشركين وكيف يأتون يوم القيامة فرادى لا شفيع لهم ولا نصير، اقتضى تداعي المعنى أن يعقّب ذلك بذكر أحوال المؤمنين في ختام السّورة وأنّه تعالى سيجعل لهم في قلوب عباده مودّة وصحبة تكرّما منه وفضلا، فقال عزّ من قائل: (اِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
ما كان أحوج الجماعة المؤمنة، وهي في مكة المكرمة تلاقي الجفاء والعنت، ما كان أحوجها إلى هذه اللّمسة الحانية من الحق تبارك وتعالى، يعدهم فيها بالحبّ والمودة فيما بينهم أوّلا فقال تعالى ممتنا على نبيه: (هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ’ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:62 - 63).
ويلاحظ أن التّعبير جاء بالمصدر: (وُدًّا) وبصفة مطلقة دون ذكر متعلقات ذلك الودّ، حتى يشمل ما يكون من الودّ بينهم -كما تقدم- ثم ما يكون لهم من محبة الله ثانيا، ومن محبة خلقه ثالثا، وتحقق لهم محبة الله، لأنها نتيجة لإيمانهم وعملهم الصّالحات؛ لأنه تعالى يقول: (قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31). كما ورد في الحديث القدسيّ: «وجبت محبتي للمتحابين من أجلي».(1)
(1) 1 - رواه أحمد في المسند من حديث معاذ بن جبل، رقم 21021.