نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٠(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الذِينَ أُوتُوهُ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَام بَيْنَهُمْ): الضمير في "فيه" يرجع إلى الكتاب، والاختلاف فيه يحدث بما يكون من الأتباع في تحريف المراد منه غلوّاً في التّأويل ليوافق المذهب الذي يتبعونه، منحرفين عن المقصد الذي أُعطُوا الكتاب من أجله، وهو أن يزيل الخلاف بينهم، فأصبحوا هم سبب الخلاف فيه بدافع البغي والحسد. وممّا يزيد في شناعة حالهم أنهّم اختلفوا من بعد ما قامت عليهم الحجّة بمجيء الدّلائل والبراهين على نصاعة الحق، وفي ذلك تحذير للمسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدّين.
ثم قال تعالى: (فَهَدَى اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ): و"إذن الله" هو توفيقه لمن يشاء من عباده وتيسيرهم للحسنى والرشاد، وذلك لمن تحقّق له الإيمان الخالص وصفت نفسه ودان للحقّ واجتهد في الوصول إليه، ولا تخلو أمّة من هذا الصنف، والله تعالى يهب تلك الهداية إلى صراطه المستقيم لمن تتوفّر فيه الاستعدادات لذلك. وقيل: إنّ المقصود بالذين آمنوا هنا هم المسلمون أي المؤمنون بمحمّد صلى الله عليه وسلم وذلك على اعتبار أن الإسلام جاء لتصحيح مسار البشريّة وإرجاعها إلى الحقّ الذي كاد يضيع في مهاترات أتباع الدّيانات الأخرى من أهل الكتاب وغيرهم، فكان الإسلام هو المتمّم لنعمة الله والمحقّق لأغراض ما تنزّلت به الشّرائع السابقة.