نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٣٨٩ج) - (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي): فهناك اللّسان آلة للتبليغ، ولا بدّ أن تتوفّر له شروط الإفصاح والبيان؛ لأنّ موسى عليه السلام كان له رُتّة في لسانه أي حبسة، قيل: إنه أصيب بها في صغره عندما لاعبه فرعون في حجره فنتف شعر لحيته فغضب وهمّ أن يقتله، لولا أن أشفقت عليه امرأة فرعون وقالت: إنه صغير، فوضعت بين يديه تمرة وجمرة فوضع الجمرة على لسانه. وقيل: إنه ولد بتلك الحبسة. واستعير حلّ العقدة لإزالة تلك العاهة، وعلّل ذلك الطّلب بالفهم الجيّد لكلامه: (يَفْقَهُواْ قَوْلِي)، وإن من البيان لسحرا كما قال رسول الله.
د) - (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنَ اَهْلِي، هَارُونَ أَخِي): الوزير بمعنى "فاعل" مشتق من الأزر، أي المعونة والمساعدة. والوزير هو المساعد لصاحب الأمر في السّلطة، يساعده في تدبير شؤون الملك. طلب موسى من ربّه أن يجعل له معينا من أهل قرابته، ثم عيّن أخاه هارون باسمه لتوفّر بعض المزايا فيه، أولاها فصاحة اللّسان إذ قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً) (القصص:34). وهو أيضا وسيم الطّلعة، هادئ الطّبع، أصيل الرأي. وتستشف هذه الأوصاف كلها من كلام موسى فهو من أهله وهو أخوه ووزيره. وبذلك يتكاملان ويتآزران في تحمّل عبء الرّسالة إلى فرعون. وكان موسى منصفا لنفسه واثقا بأخيه، لم يتطاول بامتياز ولم يفخر عليه بفضل -وهو كليم الله- وذلك من سيما الصّالحين من عباد الله، يتكاملون في الصّالحات ويتعاونون في المبرات. وفي ما رواه النّسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه».(1)
(1) 1 - رواه النسائي من حديث القاسم بن محمد، كتاب (40) البيعة، باب (33) وزير الإمام، رقم 4209.