نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٩٣

لقد تعدّدت منن الله على موسى، فقبل منّة الاختيار والاصطفاء في الوادي المقدّس كانت منّة الإلهام لوالدته في وقت ازدياده، إذ حماه الله من الذّبح الذي كان يسلّطه فرعون وجنوده على المواليد الذّكور من بني إسرائيل. وموسى كان يعلم تلك القصة، ولكن الله أكّد له ذلك الحدَث بـ"قد" و"لام القسم" ليطمئن إلى توالي رعاية الله منذ أن أبصرت عيناه نور الحياة وليدا في حضن أمّه وهي في حيرة من أمره، فكان لها من الله ذلك الإلهام النّفسي الصّادق، وهو غير الوحي للنّبوءة، إذ أن جمهور العلماء متفقون أن النّبوءة لا تكون للنّساء، وهو نوع من ذلك الإلهام الذي عبّر الله عنه -أيضا- بالوحي للحواريين والنّحل في قوله تعالى:

أ) - (وَإِذَ اَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنَ -امِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي) (المائدة:111).

ب) - (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً) (النّحل:68). فهو نوع من الخطرات الرّبانية الصّادقة التي قد ترد خاطر الإنسان فلا يجد لها رَدّا، وقد يكون ذلك حلما صادقا يراه المؤمن في المنام فيأتي كفلق الصّبح، ومضمون ذلك الخاطر الرّباني هو قوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ)، وهذا تفسير لقوله: (مَا يُوحَى).

والتّعبير بالقذف الذي هو بمعنى الرّمي للشيء بعنف يدلّ على المعنى العاطفي في قلب الأمّ على ولدها، كيف تغالبه حتى لا تتردّد في تنفيذ أمر الله، كما يدلّ على السّرعة في التّنفيذ كمن يرمي شيئا بقوة، فقد وضعت وليدها في تابوت خشبيّ محكم وألقت به في اليمّ -أي مياه النّيل-.

٣٬٢٤٢ / ٦٬٢٠١