نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٢٣قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ -امَنتُمْ لَهُ’ قَبْلَ أَنَ -اذَنَ لَكُمُ إِنَّهُ’ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى).
سجود السحرة كان بالدّافع الذّاتي دونما إكراه ولا إجبار، ويدلّ على ذلك بناء الفعل للمجهول: (أُلْقِيَ)، وهو اعتراف عمليّ بأنّ موسى مؤيّد من الله تعالى، وإقرار بغلبته وتفوّقه، فسارعوا إلى الإعلان بإيمانهم. وتصريحهم بربّ هارون وموسى أو بربّ العالمين كما ورد في الآيات الأخرى هو لإبطال ما يدّعيه فرعون من الرّبوبية والألوهية، وهكذا الفطرة السّليمة تستجيب لنداء الحقّ إذا ما تيقظت، فتتحقّق معجزة الإيمان، وحينئذ لا ترهبها قوة، ولا ينال من صمودها بطش، فقد تغيظ فرعون لموقف السّحرة، وخاف تمرّد رعيته عنه، وهم يرون فيهم الصّفوة المختارة لفرعون، وقد أتى بهم لينصروه ويثبتوا عرشه وألوهيته، فإذا بهم على العكس يخذلونه ويعلنون إيمانهم بكلّ قوّة أمام المشاهدين. فلا بدّ من الانتقام. وحتى يظهر بمظهر القويّ المتماسك اختلق للمؤمنين شبهة الجرأة عليه بإعلانهم الإيمان قبل أن يأذن لهم، وأنهم بذلك قد تواطأوا مع موسى على اعتبار أنّه معلمهم الأكبر في فنّ السّحر ليقوّضوا عرش فرعون. وفي اختيار فعل: (-اذَنَ لَكُمُ) ذكاء وبراعة من فرعون حتىّ يوهم النّاس أنه ربما أذِن لهم لو استأذنوه.