نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٢٧وقد ثبتت فرضيّة القتال على المسلمين بهذه الآية، ويبقى الخلاف بين العلماء في كونه فرض عين أو فرضًا على الكفاية. يقول صاحب المنار بعد أن أورد مختلف الأقوال: "وقد انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف الذي كان في القرن الثاني على أن الجهاد من فروض الكفاية إلاّ أن يدخل العدوّ بلاد المسلمين فاتحا فيكون فرض عين".(1)
وأيّا كانت الدّواعي للقتال فهو أمر شاقّ قد تكرهه النفوس، وهي من طبعها مائلة إلى السّلامة وحبّ البقاء، والقتال مظنّة للهلاك، والله تعالى أعلم بمن خلق وأحكم من أن ينكر مشقّة هذه الفريضة، ومن ثَمّ فهو لا يهوّن من أمرها ولا ينكر على النّفس البشرية كراهيتها لها إذ ليس ذلك من مراعاة متطلّبات الفطرة، ولا يقال: كيف يكره المؤمنون ما يكلّفهم الله به وفيه سعادتهم؟. لأنّ الكراهة الفطرية لا تنافي الرضا بما يُكلّف به الإنسان، فكثيراً ما يتحمّل المكروه لما ينجرّ له من النفع له، ثمّ إنّ المؤمن البصير لا تخور عزيمته أمام الشّدائد والمصائب ليقينه بلطف الله فيها وعونه إيّاه عليها، والله تعالى لم يُنكر على رسوله أن يتأذّى بما يقوله أعداؤه عنه ولكنّه كان يثبّته ويسلّيه ويحثّه على الصّبر والتّحمل فيقول:
أ - (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ) (الحجر:99)
ب - (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُو لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدونَ) (الأنعام:33)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 2/ 312.