نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٥٩الجملة معطوفة على قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ) (طه:99)، والإشارة فيها هي كالإشارة في المعطوف عليها، أي كما قصصنا عليك من أنباء الأمم السّابقة أنزلنا عليك هذا الذّكر المقروء، ووصفه بكونه "عربيّا" هو للمدح لا لمجرّد كونه بلغة العرب، وإنما لما فيه من الإعجاز والبلاغة، لا يتأتّى في غيرها من اللّغات الأخرى؛ ولأنّ الله تعالى قد اختار الأمة العربية لتحتضن كتابه الخاتم -وهو أعلم حيث يجعل رسالاته-، وما يرسل من رسول إلا بلسان قومه، ولا يخفى ما في هذا الوصف من تشريف وتكريم لهذا اللّسان، فما يجوز لمسلم أن يحقّر من شأن هذه اللّغة تقليدا لما يروّجه أعداؤها عنها، فإنّ الذي اختارها لتكون وعاء لوحيه الخاتم هو الله تبارك وتعالى، ولله درّ شاعر النّيل عندما قال بلسان هذه اللّغة:
وسِعت كتاب الله لفظا وغاية … وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة … وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن … فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي
والتّعبير بـ "أَنزَلْنَاهُ" زيادة على تميّزه بنون العظمة، فهو إنزال من علوّ ورفعة، أي من الحق تبارك وتعالى، وهو الصّلة الوثقى بين السّماء والأرض. والعجيب أن الله تحدّى بإعجازه كل العالمين على مختلف ألسنتهم، ولم يقتصر على العرب وحدهم، وذلك لما يحمله من الإعجاز في المجالات الأخرى غير الإعجاز البياني.